الحكيم الترمذي
15
غور الأمور
تبسيط رأى ، إنما تدل على منحى تجريبى في تفكير الترمذي ، كما تدل أيضا على خبرة بالنفس الإنسانية ، وعلى وعى بالعقل الإنسانى ، وكيف أن الإنسان يفتقر دائما - في تصديقه بمعظم الأشياء - إلى استدلالات ، وأمثلة من الواقع ، لكي يمكنه تصور الفكرة وتعقلها ، ومن ثم الاعتقاد بها . فالتجديد كما نعلم يبدأ من الواقع ، ويرتبط به ارتباط الكليات بالجزئيات التي استخلصت منها ، وينتمى الواقع إلى الفكر انتماء الجزئي إلى الكلى . . 5 - ومما يمكن أن يضاف إلى أسباب تسمية الترمذي بالحكيم ، تلك التقسيمات الطريفة للعلم ، وتقسيمه الحكمة إلى عليا ودنيا ، ولعله قد وصل في حياته إلى الحكمة العليا ، وحصل على هدفه الأسمى ، ومن هنا استحق أن يكون حكيما لا تساق آرائه مع هدفه منها ، ومع المنهج الموصل إلى تحقيق هذا الهدف « 1 » . والدكتور عثمان إسماعيل محقق كتاب " ختم الأولياء " يذكر في هامش المقدمة : أنه يرى أن لقب الحكيم أسند إلى الترمذي خاصة ، لأن التعاليم الصوفية قد خطت على يديه خطوة حاسمة في سيرها الموفق المطرد ، فهي عنده لم تعد مجرد أحوال نفسية ينفعل لها الصوفي في جلوته ، أو مشاعر ذاتية يحس بها في خلوته ، بل حقائق موضوعية لها كيانها المستقل وعالمها الخاص ، وحكمة الترمذي في تصوفه تبدو في هذا التحليل البارع لطبيعة النفس الإنسانية ، وفي هذا التصوير الرائع لمناهج السلوك الروحي ، وأخيرا في هذا التمييز الحاسم بين أنماط الحكمة ودرجات المعرفة " « 2 » .
--> ( 1 ) راجع الدكتور سامى نصل لطف - مقدمة كتاب " علم الأولياء ص 23 و 24 ط مكتبة الحرية . ( 2 ) راجع الدكتور عثمان إسماعيل - مقدمة كتاب " ختم الأولياء " هامش ص 5 ط بيروت .